ساسي سالم الحاج
153
نقد الخطاب الاستشراقي
ويثير « وات » قضية الهجرة إلى الحبشة من حيث عددها ، فهو لا يراها إلّا هجرة واحدة وليس هجرتين . كما شكك في تاريخ حصولها ، وأكّد أنها وقعت بعد تلاوة الآيات الشيطانية وليس قبل . ويشايعه في ذلك « رودنسون » ولكنه يخالفه في تاريخ حصولها إذ يؤكد خلافا ل « وات » أنها قد حصلت قبل تلاوة الآيات الشيطانية ونسخها . ويخالف « موير » كليهما ويرى أنهما هجرتان لا هجرة واحدة أولاهما قبل قصة الآيات الشيطانية وثانيتهما بعدها . ونحن لو رجعنا إلى المصادر الإسلامية المعتمدة لوجدنا خلافا حول هذا الموضوع . فهذا ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق يشير إلى ذكر الهجرة الأولى إلى الحبشة « 1 » . ثم يستطرد في ذكر أسبابها وأسماء من هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة ، وذلك طبقا لقبائلهم ، ثم يتعرّض إلى إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها ، ثم يذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة ، ويقف عند هذه النقطة قائلا : « حتى إذا دنوا من مكة ، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا ، فلم يدخل أحد إلّا بجوار أو مستخفيا » « 2 » . وهو عندما يقف عند هذا الحدّ لا يتعرّض للهجرة الثانية التي كان من المفروض أن يعالجها بعد أن أشار إلى الهجرة الأولى ، ولا يشير كذلك إلى عودة المسلمين من جديد إلى الحبشة بعد أن وجدوا أهل مكة على ما هم عليه من شرك ، وعدّد العائدين من الحبشة ووجدهم ثلاثة وثلاثين رجلا . وتعرّض الطبري لقضية الهجرة إلى الحبشة وأشار هو الآخر في تاريخه إلى الهجرة الأولى ، ثم يتعرّض لقضية الآيات الشيطانية . وكيف تناهى خبر إسلام أهل مكة بعدها إلى المهاجرين إلى الحبشة وعودتهم إلى بلادهم ، وكيف وجدوا أن القوم قد ارتكسوا « 3 » . ثم تعرّض الطبري بعدها مباشرة إلى كيفية نقض الصحيفة التي فرض الحصار بموجبها على بني هاشم . وبعد فراغه من ذلك أشار مباشرة إلى مهاجري الحبشة قائلا : « وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النجاشي عمرو بن أميّة الضمري فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 321 . ( 2 ) ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 364 . ( 3 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 1196 .